جلال الدين الرومي

399

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 394 - 396 ) : وهذا هو حال العارفين في يقظتهم ، أعينهم مغمضه عن الدنيا مفتوحه على الآخرة ، تجول أرواحهم في عوالم في اليقظة كما تجول أرواح العوالم في النوم ، مثل أهل الكهف « وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ » ( الكهف / 18 ) . قال نجم الدين كبرى " إن الثابت الصادق والطالب المحق ، من اعتزل عن قومه وانقطع عن إخوان سوئه ، واعتقد ألا يعبد إلا الله ، ولا يطلب إلا الله ، ولا يحب إلا الله ، ويعرض عما سوى الله ، ثم يأوى إلى كهف الخلوة متمسكا بذيل شيخ واصل ، ليربيه بنور الولاية كما كان أصحاب الكهف ، لكنهم مجذوبون بنور الولاية وذلك من النوادر ، ولا حكم للنادر " . ( مولوى : 1 / 112 ) . وقال الكاشاني في التأويلات : وتحسبهم أيقاظاً أي وتحسب العارفين بالله أيقاظا لانفتاح أعينهم وإحساسهم وحركاتهم إلى اشتغال الدنيا ، وهم رقود عما سوى الله في الحقيقة ، ونصرفهم إلى جهة الخير وتقلبهم تارة إلى جهة مقتضى الطبيعة والشواغل الجسمانية ، ظهورا لحكمتنا وكلبهم أي نفسهم باسط ذراعيه أي توكلهما بالوصيد أي بفناء البدن ملازمه لهم ( الانقروى 1 / 119 ) . إنهم مغمضو الأعين عن الدنيا ليل نهار ، وهم كالقلم بين يدي الرب يقلبه كيف يشاء ( عن تفصيل هذا المثل انظر الكتاب الرابع ، الأبيات 3721 - 3729 وشروحها ) . ( 397 - 409 ) : وان هذا الذي يبديه الله تعالى للعقل من حال العارف جزءٌ يسير جداً مما خصه به ويسيره له ، والعقل منه في دهشة وحيرة . . . ويعود مولانا فيفصل الصورة التي جمعها في الأبيات 390 - 393 : تمضى أرواح العوام إلى صحراء لا وصف لها ، فتستريح الأرواح من الأبدان ، وتستريح الأبدان من الأرواح ، ليستريح كلاهما من هذا الصراع المحتدم فيما بينهما والمستمر ما دامت اليقظة قائمة ، ثم ثمة صفير ( كالذي يطلقه الصياد للطير ) ، وتمد شباك الدنيا وفخاخها عندما تشرق شمس النهار ، فيستدعى فالق الاصباح ، وكأنه نفخ في صور إسرافيل ، هذه الأرواح الشارده إلى عالم الصورة ، والجياد التي عريت من سروجها ، وهذا هو سر الحديث النبوي القائل « النوم أخ الموت ولا يموت أهل الجنة » فالموت قطع لكل العلائق من الدنيا ، لكن في النوم يبقى خيط غير مرئى بين الأرواح إلى أجسادها ، حتى يطلع النهار وتعود إليها ، قال تعالى « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ